عاد التضخم في مصر ليكون محور الحديث الاقتصادي بعد أن شهد ارتفاعًا في يوليو، منهياً بذلك فترة تراجع استمرت أربعة أشهر. هذا الارتفاع يضع أسعار الفائدة أمام اختبار جديد، خصوصًا مع اقتراب اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري في 20 أغسطس.
وبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ارتفع معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن إلى 14.9% خلال يوليو 2026، مقارنة بـ 14.3% في يونيو، ليكون هذا أول ارتفاع منذ مارس. ورغم ذلك، فإن قراءة الأسعار على أساس شهري تشير إلى استقرار، حيث لم تتغير أسعار المستهلكين في يوليو بعد انخفاضها بنسبة 0.4% في يونيو.
ماذا حدث في أسعار الغذاء؟
أسعار الغذاء والمشروبات كانت العامل الأبرز وراء ارتفاع التضخم، حيث ارتفعت بنسبة 8% على أساس سنوي في يوليو، مقارنة بـ 5.4% في يونيو، مما ساهم في دفع معدل التضخم العام لمستويات أعلى. لكن عند النظر إلى التغير الشهري، نجد أن أسعار الأغذية والمشروبات تراجعت بنسبة 0.6% خلال يوليو، مما يعني أن الارتفاع السنوي لا يعكس بالضرورة زيادة كبيرة في الأسعار خلال الشهر نفسه، بل يتأثر بمستويات الأسعار المسجلة في نفس الفترة من العام السابق.
لماذا ارتفع التضخم رغم استقرار الأسعار شهريًا؟
هنا نحتاج إلى التفريق بين التضخم السنوي والتغير الشهري في الأسعار. التضخم السنوي يقارن أسعار يوليو 2026 بأسعار يوليو 2025، بينما يقيس التغير الشهري حركة الأسعار من يونيو إلى يوليو 2026. لذا، فإن ارتفاع التضخم السنوي إلى 14.9% لا يعني أن جميع السلع شهدت زيادة بنفس النسبة خلال يوليو، بل يعكس استمرار ارتفاع الأسعار مقارنة بالعام السابق.
انتهاء أربعة أشهر من تراجع التضخم
يمثل رقم يوليو تحولًا في مسار التضخم بعد فترة من التباطؤ بدأت في مارس. خلال الفترة من أبريل إلى يونيو، واصل التضخم السنوي انخفاضه تدريجيًا، مستفيدًا جزئيًا من تأثيرات سنة الأساس، أي المقارنة مع مستويات الأسعار المرتفعة التي شهدها الاقتصاد قبل عام. في الوقت نفسه، واجه الاقتصاد المصري ضغوطًا إضافية نتيجة ارتفاع أسعار الوقود وتحركات سعر الجنيه، لكن تأثير هذه العوامل لم يظهر بالكامل في معدل التضخم السنوي بسبب اختلاف مستويات الأسعار بين فترات المقارنة.
هل يؤجل التضخم خفض أسعار الفائدة؟
تتجه الأنظار الآن إلى البنك المركزي المصري، الذي يستعد لاجتماع لجنة السياسة النقدية في 20 أغسطس، وسط تساؤلات حول ما إذا كان ارتفاع التضخم في يوليو سيدفع صناع السياسة النقدية إلى تأجيل خفض أسعار الفائدة. البنك المركزي كان قد أوقف دورة التيسير النقدي التدريجية التي استمرت قرابة عام بسبب ارتفاع مستويات عدم اليقين والمخاطر الخارجية. قراءة التضخم الجديدة تجعل قرار خفض الفائدة أكثر تعقيدًا، حيث يراقب البنك المركزي اتجاه الأسعار ومصادر الضغوط التضخمية.
ماذا يعني ذلك للمواطن؟
بالنسبة للمستهلك، ارتفاع التضخم السنوي إلى 14.9% لا يعني أن الأسعار سترتفع تلقائيًا بنفس النسبة في الشهر المقبل. الرقم يؤكد أن مستوى الأسعار لا يزال أعلى بشكل ملحوظ من مستواه قبل عام، وأن الضغوط التضخمية لم تختفِ تمامًا رغم التراجع الذي شهدته خلال الأشهر الماضية. يظل قطاع الغذاء هو الأكثر أهمية بالنسبة للأسر، ولذلك فإن استمرار تراجع أسعار الغذاء على أساس شهري سيكون من المؤشرات التي تستحق المتابعة.
ماذا يعني ذلك لأصحاب المدخرات والمقترضين؟
لأصحاب المدخرات:
أي تأجيل لخفض أسعار الفائدة قد يعني استمرار جاذبية أدوات الادخار ذات العائد المرتفع لفترة أطول، لكن القرار النهائي يعتمد على سياسة البنك المركزي والمنتجات التي تطرحها البنوك.
للمقترضين:
إذا استمرت أسعار الفائدة المرتفعة، فقد تظل تكلفة التمويل مرتفعة نسبيًا، خصوصًا بالنسبة للقروض أو التسهيلات المرتبطة بأسعار الفائدة المتغيرة.
للمستثمرين:
بيانات التضخم تكتسب أهمية خاصة عند تقييم الأسهم والسندات، لأن اتجاه أسعار الفائدة يؤثر في تكلفة التمويل وتقييم الأصول.
اجتماع 20 أغسطس.. ماذا تراقب الأسواق؟
مع اقتراب اجتماع لجنة السياسة النقدية، تتركز المتابعة على عدة مؤشرات رئيسية، منها اتجاه التضخم السنوي وحركة أسعار الغذاء والسلع الأساسية، بالإضافة إلى التغير الشهري في الأسعار وتطورات سعر الصرف وأسعار الوقود. كل هذه العوامل قد تؤثر على قرار البنك المركزي بشأن أسعار الفائدة.
وبذلك، لا تبدو قراءة يوليو مجرد رقم جديد في جدول التضخم، بل هي إشارة مهمة إلى أن معركة كبح الأسعار لم تنتهِ بعد، وأن البنك المركزي قد يفضل استمرار الحذر قبل اتخاذ خطوات جديدة بشأن أسعار الفائدة.