عاد الذهب ليظهر بقوة في الأسواق، مسجلًا ارتفاعًا لثالث يوم على التوالي، في موجة صعود دفعت الأسعار إلى مستويات لم تشهدها منذ أكثر من شهرين، ويعزى ذلك إلى تزايد توقعات المستثمرين بشأن تحول السياسة النقدية الأمريكية لصالح المعدن النفيس.
سجل الذهب في المعاملات الفورية اليوم الثلاثاء ارتفاعًا بنحو 1% ليصل إلى 4432.74 دولار للأوقية، بعد أن بلغ أعلى مستوياته منذ الخامس من يونيو، بينما صعدت العقود الأمريكية الآجلة للذهب بنسبة 1.7% لتصل إلى 4492.60 دولار للأوقية.
هذه القفزة ليست مجرد حركة عابرة، بل تأتي في وقت حساس للغاية بالنسبة للمستثمرين، إذ يتوقعون صدور بيانات التضخم الأمريكية التي يمكن أن تعيد تشكيل توقعات أسعار الفائدة، مما سيحدد الاتجاه المقبل للذهب والدولار.
أغسطس.. شهر اختبار الـ4500 دولار
يبدو أن مستوى 4500 دولار للأوقية أصبح نقطة محورية للذهب خلال أغسطس، إذ إن اختراقه بثبات قد يعزز من الزخم الصعودي، بينما الفشل في تجاوزه قد يؤدي إلى عمليات جني أرباح وتصحيح مؤقت.
تشير قراءة السوق الحالية إلى أن تجاوز 4500 دولار قد يفتح المجال لاستهداف مستويات أعلى تصل إلى 4600 ثم 4700 دولار، بينما يبقى احتمال تراجع الأسعار إلى مناطق 4300–4400 دولار قائمًا إذا جاءت البيانات الأمريكية أقوى مما تتوقعه الأسواق.
تدعم التحليلات الفنية الحديثة هذا السيناريو، إذ تشير مؤشرات السوق إلى أن تجاوز 4500 دولار قد يكون إشارة على استمرار التعافي، مع إمكانية تحرك الذهب لاحقًا نحو مستويات قريبة من 4800 دولار إذا استمر الزخم الشرائي.
لذا، قد يكون النصف الثاني من أغسطس أكثر سخونة، خاصة إذا تزامن ضعف الدولار مع تراجع عوائد السندات وزيادة رهانات خفض الفائدة الأمريكية.
لماذا عاد المستثمرون إلى الذهب؟
يعتقد توني سيكامور، محلل الأسواق لدى “آي. جي”، أن جزءًا من الارتفاع الحالي يعود إلى ما يعرف بـ”الخوف من تفويت الفرصة”، بالإضافة إلى تغطية بعض المراكز القصيرة وعودة تدفقات الأموال إلى الملاذات الآمنة.
ويشير سيكامور إلى أن الصورة المتوسطة الأجل قد تصبح أكثر إيجابية إذا نجح الذهب في تجاوز المستويات الحالية، معتبرًا أن الاختراق قد يمهد الطريق أمام انتعاش أقوى نحو 5000 دولار للأوقية.
تأتي هذه التوقعات في وقت تتزايد فيه أهمية الذهب كأداة للتحوط من المخاطر، بالتزامن مع استمرار مشتريات البنوك المركزية، وضعف الدولار المحتمل، وعدم اليقين الجيوسياسي.
كما أظهرت بيانات حديثة أن البنك المركزي الصيني أضاف نحو 20 طنًا إلى احتياطياته من الذهب خلال يوليو، مما يعكس استمرار الطلب الرسمي على المعدن النفيس.
التضخم الأمريكي.. كلمة السر في الاتجاه المقبل
تتجه أنظار الأسواق الآن إلى تقرير أسعار المستهلكين الأمريكيين، المقرر صدوره غدًا الأربعاء، ثم بيانات أسعار المنتجين يوم الخميس.
تحظى هذه البيانات بأهمية استثنائية، حيث ستساعد المستثمرين على تقييم المسار المقبل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، بعد أن أدت بيانات الوظائف الأمريكية الضعيفة لشهر يوليو إلى زيادة التوقعات بأن يصبح البنك المركزي أكثر مرونة تجاه أسعار الفائدة.
تاريخيًا، يستفيد الذهب من بيئة أسعار الفائدة المنخفضة، كونه أصلًا لا يدر عائدًا، مما يجعل انخفاض تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به أكثر جاذبية مقارنة بالأصول المدرة للعائد.
قال فؤاد رزق زادة، محلل السوق لدى “فوركس دوت كوم”، إن استمرار البيانات في إظهار تباطؤ الاقتصاد الأمريكي دون ارتفاع ملحوظ في التضخم قد يدفع الأسواق إلى تقليص توقعاتها بشأن تشديد السياسة النقدية، مما قد يضغط على الدولار ويمنح الذهب دعمًا إضافيًا.
سيناريوهات الذهب في أغسطس
استنادًا إلى حركة الأسعار الحالية والعوامل المؤثرة في السوق، يمكن تلخيص المشهد المتوقع للذهب خلال أغسطس في ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الصعودي:
إذا جاءت بيانات التضخم أضعف من المتوقع، وتراجع الدولار، وزادت رهانات خفض الفائدة، فقد يتمكن الذهب من اختراق 4500 دولار، ثم التحرك نحو 4600–4700 دولار، مع إمكانية اختبار مستويات أعلى إذا استمر الزخم. تظهر توقعات سوقية أوسع أن نطاق 4500–5000 دولار أصبح حاضرًا بقوة في النظرة المتوسطة للذهب
السيناريو المتوازن:
قد يتحرك الذهب خلال أغسطس في نطاق عرضي بين 4300 و4500 دولار، مع استمرار المستثمرين في إعادة تقييم بيانات التضخم والفائدة، قبل أن يحدد السوق اتجاهه النهائي
السيناريو التصحيحي:
إذا جاءت بيانات التضخم أعلى من التوقعات، وارتفع الدولار، وتراجعت احتمالات خفض الفائدة، فقد يتعرض الذهب لجني أرباح، مع إمكانية العودة إلى مناطق 4300 دولار أو أدنى منها مؤقتًا
هل يصل الذهب إلى 5000 دولار؟
رغم أن الوصول إلى 5000 دولار خلال أغسطس نفسه لا يمكن اعتباره سيناريو مؤكدًا، فإن المستوى أصبح جزءًا واضحًا من الرؤية الصعودية المتوسطة الأجل.
تشير توقعات مؤسسات مالية ومحللين إلى إمكانية وصول الذهب إلى مستويات تقارب 4900–5000 دولار خلال 2026، بينما تذهب بعض التقديرات الأكثر تفاؤلًا إلى مستويات أعلى من ذلك. وكانت “جولدمان ساكس” قد عدلت مستهدفها لنهاية 2026 إلى نحو 4900 دولار للأوقية، في حين تظل هناك توقعات صعودية أخرى تستهدف 5000 دولار أو أكثر.
ومن هنا، فإن معركة الذهب الحقيقية خلال أغسطس قد لا تكون فقط حول تسجيل ارتفاع جديد، وإنما حول سؤال أكثر أهمية: هل يستطيع المعدن الأصفر تحويل مستوى 4500 دولار من مقاومة صعبة إلى نقطة انطلاق نحو 5000 دولار؟
الملاذ الآمن يعود إلى المشهد
لا تقتصر عوامل دعم الذهب على السياسة النقدية، إذ تلعب التطورات الجيوسياسية دورًا متزايدًا في توجيه المستثمرين نحو الأصول الآمنة.
تأتي التطورات المتعلقة بالولايات المتحدة وإيران ومخاطر اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز لتضيف عنصرًا جديدًا إلى معادلة الذهب، إذ يمكن لأي تصعيد جيوسياسي مفاجئ أن يعزز الطلب على المعدن النفيس، حتى في حال وجود ضغوط من الدولار أو أسعار الفائدة.
في المقابل، يظل الذهب عرضة لموجات تصحيح حادة، خاصة بعد الارتفاعات السريعة، مما يجعل بيانات التضخم الأمريكية وتحركات الدولار والعوائد الأمريكية عوامل حاسمة في تحديد مسار الأسعار خلال ما تبقى من أغسطس.
المعادن النفيسة على خط الصعود
لم يقتصر الصعود على الذهب، إذ ارتفعت الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 0.9% لتصل إلى 66.30 دولار للأوقية، بينما زاد البلاتين 0.7% إلى 1765.26 دولار، وصعد البلاديوم 0.8% إلى 1394 دولارًا.