البنك المركزي.
الأرقام توضح حجم هذا التحول؛ فقد ارتفعت التحويلات في يناير 2026 بنسبة 21% لتصل إلى نحو 3.5 مليار دولار، واستمرت الزيادة في فبراير بنسبة 25.7% لتصل إلى حوالي 3.8 مليار دولار، ثم قفزت في أبريل بنسبة 44% إلى نحو 4.3 مليار دولار، تلتها زيادة في مايو بنسبة 13.5% لتصل إلى 3.9 مليار دولار، وأخيرًا سجلت يونيو زيادة جديدة بنسبة 15.6% لتصل إلى 4.2 مليار دولار.
هذه الزيادات الشهرية ليست عشوائية، بل تعكس مسارًا ممتدًا على مدار السنة المالية، حيث أعلن البنك المركزي أن إجمالي التحويلات خلال السنة المالية 2025/2026 بلغ نحو 47.3 مليار دولار، مقارنة بـ 36.5 مليار دولار في السنة السابقة، مما يعكس زيادة بنسبة 29.6%، وهو مستوى قياسي.
لكن كيف تمكنت القنوات المصرفية من جذب هذه التدفقات؟
الإجابة تكمن في تغيير جوهري في كيفية التعامل مع تحويلات المصريين بالخارج، حيث أصبح الهدف ليس فقط استقبال الدولار، بل بناء نظام مصرفي يجعل عملية التحويل أسرع، أسهل، وأكثر أمانًا وأقل تكلفة.
في هذا الإطار، قام البنك المركزي بتطوير البنية التحتية للمدفوعات والتحويلات، حيث أتاح عبر شبكة المدفوعات اللحظية استقبال التحويلات الدولية بسرعة وأمان إلى الحسابات البنكية والبطاقات والمحافظ الإلكترونية، بالتعاون مع البنوك وشركات تحويل الأموال.
ثم جاءت خطوة مهمة في يونيو 2026، عندما اعتمدت البنوك المصرية معيار ISO 20022 في التحويلات المالية بين البنوك، مما يهدف إلى تحسين كفاءة التسويات وجودة بيانات التحويلات، وتقليل التدخل اليدوي، وزيادة سرعة وكفاءة المدفوعات عبر الحدود.
الرسالة هنا واضحة: كلما كانت عملية تحويل الدولار إلى مصر أكثر سهولة ووضوحًا، زادت قدرة القطاع المصرفي على استيعاب التدفقات القادمة من الخارج.
ولم يتوقف الأمر عند التكنولوجيا فقط.
في أكتوبر 2025، أطلق البنك المركزي ووزارة الخارجية مبادرة “افتح حسابك في مصر” بالتعاون مع البنك الأهلي المصري وبنك مصر، بهدف تسهيل فتح الحسابات المصرفية للمصريين العاملين بالخارج. المبادرة تهدف إلى تشجيع تحويلات المصريين إلى البنوك المصرية، مع تقليل تكلفة التحويلات إلى أدنى حد ممكن.
هذا يعكس الدور المؤسسي للبنك المركزي، حيث لم يكن التعامل مع التحويلات قائمًا على انتظار الدولار، بل على بناء بنية تجعل القنوات الرسمية أكثر قدرة على استقباله.
النتائج واضحة في الأرقام.
خلال الفترة من يوليو 2025 إلى فبراير 2026، بلغت التحويلات نحو 29.4 مليار دولار بزيادة 28%، ثم ارتفعت إلى 39.2 مليار دولار خلال يوليو/أبريل، بنمو 33.2%، ثم وصلت إلى 43.1 مليار دولار خلال يوليو/مايو، بزيادة 31.2%، قبل أن تختتم السنة المالية عند مستوى 47.3 مليار دولار.
هذه الأرقام تضع تحويلات المصريين بالخارج في موقع مميز داخل معادلة الاقتصاد المصري، حيث تمثل تدفقًا مستمرًا من العملة الأجنبية، وتدعم قدرة الجهاز المصرفي على إدارة موارد النقد الأجنبي، كما توفر للاقتصاد موردًا خارجيًا لا يرتبط مباشرة بحركة التجارة العالمية أو أسعار السلع.
الأهم أن القصة لا تتعلق فقط بـ “6 زيادات”، بل بما وراء هذه الزيادات: ثقة أكبر في القنوات الرسمية، بنية رقمية متطورة، إجراءات مصرفية أكثر سهولة، وخدمات تستهدف المصري في الخارج كشريك اقتصادي وليس مجرد محول أموال.
لذلك، يمكن اعتبار قفزة التحويلات نتيجة لتفاعل عدة عوامل، منها تطورات سوق الصرف، وتحسن القنوات الرسمية، وتوسع الخدمات المصرفية الرقمية، وتيسير إجراءات التعامل مع المصريين بالخارج، بالإضافة إلى استمرار المصريين في إرسال مدخراتهم إلى أسرهم واستثماراتهم في مصر.
في النهاية، وصول التحويلات إلى 47.3 مليار دولار لا يعكس مجرد رقم قياسي، بل يبرز قيمة الاقتصاد المصري الممتدة خارج الحدود، حيث يعمل ملايين المصريين في الخارج، وجزء من دخولهم يعود إلى الداخل، بينما يسعى الجهاز المصرفي لتحويل هذه التدفقات إلى مورد أكثر انتظامًا وكفاءة للاقتصاد.