في خطوة تهدف لتعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على واردات الوقود، أعلنت الحكومة الأسترالية عن خطط لإنشاء أول مصفاة نفط جديدة منذ أكثر من 60 عامًا. هذا المشروع يأتي في وقت تشهد فيه أستراليا تحديات كبيرة في مجال الطاقة، حيث يتساءل الكثيرون عن جدواه الاقتصادية ومدى قدرته على تحقيق الأهداف المرجوة.
ترى الحكومة الأسترالية أن هذه المصفاة ستكون خطوة استراتيجية لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية. لكن خبراء الطاقة يعبرون عن قلقهم، مشيرين إلى أن المشروع قد يتحول إلى عبء مالي يعتمد على الدعم الحكومي بدلاً من أن يكون مبنيًا على أسس السوق.
أول مصفاة جديدة منذ أكثر من 60 عامًا
في 28 يوليو، أعلن رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز عن اعتزام بلاده إنشاء مصفاة جديدة في مدينة كاراثا، الواقعة شمال غربي أستراليا. تعتبر كاراثا مركزًا رئيسيًا لصناعة خام الحديد والغاز الطبيعي، وتهدف الحكومة من المشروع إلى تعزيز أمن الطاقة، حيث تعتمد البلاد على الواردات لتلبية نحو 80% من احتياجاتها من الوقود.
التركيز على الديزل أكثر من البنزين
المصفاة الجديدة من المتوقع أن تُصمم لإنتاج كميات كبيرة من وقود الديزل، مع إنتاج محدود لزيت الوقود المستخدم في السفن. يعود ذلك إلى قرب المشروع من مناجم خام الحديد التي تعتمد على الشاحنات والمعدات العاملة بالديزل، مما يجعل الوقود الصناعي أكثر أهمية.
تكاليف مرتفعة في موقع معزول
اختيار مدينة كاراثا يفرض تحديات اقتصادية كبيرة، فهي واحدة من أغلى المناطق لتنفيذ المشروعات الصناعية. يعود ذلك إلى بعدها الجغرافي ونقص الكفاءات الهندسية وارتفاع تكاليف العمالة، بالإضافة إلى الحاجة لإنشاء بنية تحتية قادرة على مقاومة الظروف الجوية القاسية.
توقيت يثير التساؤلات
الإعلان عن المشروع جاء قبل انتهاء برنامج الدعم الضريبي الذي أقرته الحكومة لدعم قطاع الطاقة. يرى مراقبون أن هذا التوقيت قد يكون ردًا على الانتقادات المتزايدة حول اعتماد أستراليا الكبير على واردات الوقود، خاصة مع المخاوف المتعلقة بأمن الإمدادات.
في الوقت الحالي، وافقت الحكومة على تمويل دراسة جدوى مشتركة بقيمة 4 ملايين دولار أسترالي بالتعاون مع شركة بيردامان، المتخصصة في إنتاج الأسمدة.
أزمة أستراليا ليست في التكرير بل في النفط
يؤكد الكاتب أن المشروع لن يحل المشكلة الأساسية، وهي محدودية إنتاج النفط الخام المحلي. رغم أن أستراليا تُعد من أكبر الدول المصدرة للفحم والغاز، إلا أن إنتاجها من النفط الخام لم يتجاوز 60 ألف برميل يوميًا، وهو ما يغطي نحو 5% فقط من الطلب المحلي. لذا، ستظل أي مصفاة جديدة معتمدة على استيراد النفط الخام.
احتياطيات محدودة رغم تجاوز الأزمة
أستراليا تمكنت من تجاوز اضطرابات سوق الطاقة بصورة أفضل من المتوقع، رغم انخفاض احتياطياتها النفطية الاستراتيجية. تكفي الاحتياطيات لنحو 42 يومًا من واردات البنزين و38 يومًا من واردات الديزل، وهي مستويات تقل عن المعايير المعتمدة في العديد من الاقتصادات المتقدمة.
هل يتحول المشروع إلى عبء مالي؟
تحذر التقارير من أن إنشاء مصفاة جديدة قد يصبح استثمارًا مرتفع التكلفة دون تحقيق العائد الاقتصادي المتوقع، خاصة مع الاتجاه العالمي نحو المصافي الكبيرة والمتطورة. يشير الكاتب إلى أن المصافي الأسترالية لم تستمر إلا بفضل الدعم الحكومي، مما يعني أن المصفاة الجديدة ستحتاج إلى دعم مماثل لضمان استمراريتها.
الدعم الحكومي يبطئ التحول إلى الطاقة النظيفة
يشير التقرير إلى أن الإعفاءات الضريبية لمستهلكي الديزل، خاصة شركات التعدين، أدت إلى إبطاء التحول نحو المعدات الكهربائية الأكثر كفاءة. بينما تقدمت دول أخرى في كهربة قطاع التعدين، لا تزال الشركات الأسترالية تعتمد على الديزل المدعوم، مما يؤثر سلبًا على تكاليف الإنتاج.
الطاقة المتجددة… البديل الأكثر جدوى
في الختام، يؤكد التقرير أن أستراليا تمتلك موارد وفيرة من الرياح والطاقة الشمسية، إلى جانب خبرات هندسية متقدمة، مما يجعلها مؤهلة لتبني استراتيجية أكثر استدامة. توجيه الاستثمارات نحو تطوير إنتاج الكهرباء النظيفة سيكون أكثر جدوى من دعم صناعة تكرير قد تظل معتمدة على الواردات، مما يعزز أمن الطاقة ويزيد من تنافسية الاقتصاد على المدى الطويل.