خلال الخمسين عامًا الماضية، لم يتمكن صانعو القرار في الولايات المتحدة من الفصل بين معالجة مشكلة تمويل شراء العقارات وبين أزمة القدرة على امتلاك المسكن، مما أدى إلى تعقيد الأمور أكثر بالنسبة للأسر الأمريكية
بدلًا من أن تسهم محاولات تقليص أعباء القروض العقارية في جعل امتلاك المنازل أكثر سهولة، أدت هذه السياسات في كثير من الأحيان إلى تشجيع الأسر على تحمل مزيد من الديون، مما يبرز مفارقة حادة في النقاشات الحالية حول أزمة الإسكان، خاصة مع قانون “الطريق إلى الإسكان في القرن الحادي والعشرين” الذي أقر في 11 يوليو ويحظى بتأييد الحزبين.
تتباين الآراء حول أسباب الصعوبات التي تواجهها الأسر الأمريكية في شراء المنازل، حيث تربط الرؤية الأولى الأزمة بنقص الوحدات السكنية، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة لا تبني ما يكفي من المنازل في المناطق التي يتركز فيها الطلب.
تساهم ضوابط استخدام الأراضي وبطء إجراءات الحصول على تراخيص البناء في رفع تكاليف التشييد، مما يجعل من الصعب إقامة مشروعات جديدة في بعض المناطق.
أما الرؤية الثانية، فتسلط الضوء على تأثير المستثمرين الكبار في السوق العقارية، حيث اشترت المؤسسات الاستثمارية أعدادًا كبيرة من المنازل المخصصة لأسرة واحدة، مما جعلها تتفوق أحيانًا على المشترين لأول مرة.
نتيجة لذلك، اضطر بعض الراغبين في امتلاك مسكن إلى الاتجاه نحو سوق الإيجار بدلًا من الشراء.
يشير موقع “بروجكت سنديكيت” إلى أن كلا الرؤيتين تعكسان مشكلة حقيقية تستحق المعالجة، حيث أصبحت الشركات العقارية من أبرز الجهات المشاركة في عمليات شراء المنازل، مما أثر على طبيعة الأحياء وأسعار الإيجار.
وبهذا، يحق للكونجرس التساؤل عن مدى تكافؤ الفرص بين الأسر الباحثة عن مسكن وصناديق الاستثمار الكبرى في سوق شراء المنازل.
الدعم الفيدرالي.. رهون أرخص ومساكن أغلى
لا يعني الحد من قدرة بعض الجهات على شراء المنازل بالضرورة زيادة عدد الوحدات المتاحة في السوق، فعندما تتنافس 200 أسرة على 100 منزل، فإن استبعاد بعض صناديق الاستثمار قد يمنح الأسر فرصة أكبر للشراء، لكنه لن يغير عدد المنازل المعروضة.
ومع استمرار محدودية المعروض، تظل الأسعار عرضة للارتفاع، وقد تحل محل الصناديق المستبعدة فئات أخرى من المشترين القادرين ماليًا على المنافسة.
يعكس قانون “الطريق إلى الإسكان” هذه الحقيقة بشكل غير مباشر، حيث تتركز أبرز مواده على زيادة البناء، وليس فقط على القيود المفروضة على المشترين المؤسسيين.
تشمل هذه الإجراءات تبسيط عمليات المراجعة ودعم الإسكان المصنع، وهو وحدات سكنية مسبقة التجهيز يمكن إنتاجها بأعداد كبيرة، إلى جانب تقديم حوافز للمجتمعات التي تنجح في زيادة عمليات البناء.
يمثل هذا الاتجاه تحولًا ملحوظًا عن نهج استمر لعقود، حيث اعتبر صانعو السياسات توسيع نطاق الائتمان العقاري وسيلة رئيسية لزيادة نسبة الأمريكيين القادرين على امتلاك المنازل.
لكن التجربة التاريخية تظهر أن زيادة توافر الائتمان العقاري تؤدي إلى ارتفاع الاقتراض وأسعار المنازل بدرجة أكبر بكثير من تأثيرها في رفع معدلات تملك العقارات.
تتضح هذه النتيجة أكثر في المناطق التي تمنع فيها قواعد تقسيم المناطق وبطء الحصول على تصاريح البناء شركات التشييد من زيادة المعروض لمواكبة ارتفاع الطلب.
أثر الدعم في أسعار المنازل
تعود المشكلة إلى أن زيادة القدرة على الاقتراض لدى الراغبين في الشراء، مع بقاء حجم المساكن المتاحة محدودًا، تجعل جانبًا كبيرًا من الدعم يصل في النهاية إلى البائعين.
وبذلك ينعكس الدعم الفيدرالي على قيمة الأراضي، حيث يستفيد المشترون من تمويل عقاري بتكلفة أقل، لكنهم يدفعون في المقابل أسعارًا أعلى لشراء المنازل.
دور فاني ماي وفريدي ماك
لا يعني ذلك أن منظومة الرهن العقاري الفيدرالية تفتقر إلى الأهمية، إذ تساهم شركتا “فاني ماي” و”فريدي ماك” في توفير السيولة، وتدعمان سوقًا وطنية للرهون العقارية ذات الفائدة الثابتة لمدة 30 عامًا، كما تساعدان في استمرار تدفق التمويل عندما تتراجع قدرة الأسواق الخاصة على الإقراض.
تظل هذه الوظائف ذات قيمة عامة كبيرة، لكن المشكلة تنشأ عند اعتبار كفاءة تمويل شراء المنازل مرادفة لانخفاض تكلفة السكن، فالتمويل العقاري يتعلق بكيفية دفع المشترين ثمن المنازل، بينما ترتبط تكلفة السكن بحجم البناء، والأماكن التي تقام فيها المساكن، وتكاليف إنشائها.
سياسات متعارضة
تزداد أهمية هذا الفرق مع تحرك السياسة الأمريكية في مسارين مختلفين، ففي الوقت الذي بدأ فيه الكونجرس ينظر إلى زيادة البناء باعتبارها عنصرًا أساسيًا لمعالجة أزمة القدرة على تحمل تكاليف السكن، لا تزال سياسات الرهن العقاري تركز بدرجة كبيرة على جانب الطلب.
يبرز توجيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشركتي “فاني ماي” و”فريدي ماك” لشراء أوراق مالية إضافية مدعومة بالرهون العقارية بقيمة 200 مليار دولار، بوصفه مثالًا على هذا النهج.
قد يؤدي تراجع معدلات الفائدة على الرهون إلى تقليص قيمة الأقساط الشهرية، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى رفع أسعار العقارات في المناطق التي تعاني نقصًا في المساكن.
وبالتالي، قد يجد المشترون أنفسهم قادرين على الحصول على تمويل أكبر، من دون أن تنخفض القيمة الإجمالية التي يدفعونها مقابل امتلاك المنزل.
خصخصة «فاني ماي» و«فريدي ماك»
ينطبق هذا الطرح أيضًا على الدعوات إلى إعادة شركتي “فاني ماي” و”فريدي ماك” إلى القطاع الخاص.
لن تكون هذه الخطوة قابلة للتطبيق بصورة سليمة ما لم تحدد الحكومة الفيدرالية أولًا حدود الضمان الذي ستقدمه، وتفرض على الشركتين امتلاك قاعدة كافية من رأس المال الخاص لتغطية الخسائر قبل انتقالها إلى دافعي الضرائب، إلى جانب تحديد الجهة التي ستتولى الإشراف عليهما بعد الخصخصة.
ومن دون هذه الضوابط، قد لا تعدو العملية كونها إعادة إنتاج للنموذج السابق بصورة مختلفة، حيث يحصل المساهمون على العوائد، بينما يحتفظ السياسيون بنفوذهم على الشركتين، ويتحمل دافعو الضرائب فاتورة الخسائر عند تدهور أوضاع السوق.
لم تكن “فاني ماي” و”فريدي ماك” تعملان ضمن سوق خاصة بالمعنى الكامل قبل عام 2008، كما أن طرح أسهمهما في البورصة مجددًا لن يغير هذه الحقيقة.
المستثمرون ليسوا أصل الأزمة
قد يتحول التركيز على المستثمرين المؤسسيين إلى تشتيت للنقاش، لأنه يوفر طرفًا محددًا يمكن توجيه اللوم إليه، لكنه قد يحجب القضية الأكثر تعقيدًا، والمتمثلة في إعادة النظر في نظام ظل يعزز القدرة الشرائية لمعظم الراغبين في امتلاك المنازل لعقود، بالتزامن مع استمرار السلطات المحلية في الحد من حجم المساكن الجديدة.
من الإيجابي أن الكونجرس بدأ التحرك لمعالجة هذا التناقض، حيث يتضمن القانون الجديد توجهات سياسية مختلفة، وهو ما كان ضروريًا للحصول على تأييد من الحزبين، فقد دفع الديمقراطيون باتجاه تعزيز حماية الأسر والمستأجرين، بينما ركز الجمهوريون على تخفيف القيود التنظيمية، وإضافة ترتيبات تتعلق بالبنوك المجتمعية، وتقليل العقبات التي تواجه عمليات البناء.
قد يكون هذا التوافق قابلًا للاستمرار لأن أيًا من الحزبين لم يفرض رؤيته منفردًا باعتبارها التفسير الوحيد لأزمة الإسكان.
زيادة المعروض هي الحل
ومع ذلك، لا تتغير القاعدة الاقتصادية الأساسية، فقد يؤدي النفوذ السوقي للمؤسسات إلى زيادة الضغوط في بعض المناطق، لكن السبيل المباشر لخفض تكلفة المنازل يتمثل في زيادة عدد الوحدات السكنية المتاحة، مما يقلل حاجة الأسر إلى الدخول في منافسات شراء ترفع الأسعار باستمرار.
على مدار عقود، انصبت السياسات الأمريكية بدرجة كبيرة على تمكين الأسر من شراء المساكن القائمة بالفعل، أما الآن، فقد بدأ التركيز يتحول نحو زيادة عمليات بناء المنازل التي تحتاج إليها الأسر الأمريكية.
لا تتمثل الخطوة التالية بالضرورة في إنشاء برنامج إسكان جديد، وإنما في تطبيق قدر أكبر من الانضباط على سياسة الرهن العقاري، فرفع القدرة الشرائية لجميع الراغبين في الشراء، بالتزامن مع إبقاء البناء مقيدًا، لن يجعل السكن أقل تكلفة، وإنما سيغير فقط هوية من يتمكن في النهاية من امتلاك المنزل.





