لم يكن تعيين الدكتور سمير رضوان وزيرًا للمالية في مصر مجرد حدث عادي، بل جاء في وقت عصيب بعد 25 يناير 2011، حيث كانت البلاد تعاني من صدمات اقتصادية هائلة. كانت الأوضاع الاقتصادية في تدهور مستمر، حيث تباطأت عجلة الإنتاج وتراجعت السياحة، كما انكمشت الاستثمارات وغلقت البورصة أبوابها. في ظل هذه الظروف، عاد عشرات الآلاف من العمال المصريين من ليبيا، وتصاعدت المطالب الاجتماعية، مما وضع المالية العامة أمام تحديات كبيرة مع زيادة النفقات ونقص الإيرادات.
بينما كان رضوان يدير الأزمة، لم يقتصر دوره على التعامل مع تداعيات الأحداث، بل سعى لرصد الأثر الاقتصادي للأحداث بالأرقام. في أبريل 2011، أشار إلى انكماش الاقتصاد المصري بنسبة 7% خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، متوقعًا أن لا يتجاوز نمو الناتج المحلي 2% حتى يونيو 2011، في حين كانت التقديرات السابقة تشير إلى 6% قبل الثورة.
انكماش 7%.. أول إنذار من وزير المالية
لم يكن الانكماش مجرد رقم، بل أثر على القطاعات الحيوية مثل السياحة والاستثمار والصناعة. وفي مارس من نفس العام، حذر رضوان من أن استمرار الإضرابات قد يدفع معدل النمو إلى 3% بدلاً من 5.8%، مع توقع ارتفاع عجز الموازنة إلى 10% من الناتج المحلي إذا استمرت حالة توقف الإنتاج.
310 ملايين دولار.. تكلفة يوم واحد
في فبراير 2011، قدر رضوان الخسائر الاقتصادية اليومية الناتجة عن الأحداث بنحو 310 ملايين دولار، أي حوالي 1.9 مليار جنيه خلال 20 يومًا. وفي البورصة، بلغت الخسائر نحو 70 مليار جنيه في الأيام الأولى قبل إغلاق السوق، مما شكل صدمة كبيرة لسوق المال المصري.

السياحة.. أكبر ضحايا يناير 2011
كانت السياحة من أكثر القطاعات تضررًا، حيث كانت تحقق إيرادات ضخمة لمصر، إذ بلغت إيراداتها في عام 2010 نحو 12.5 مليار دولار، لكنها تراجعت بنسبة 60% في مارس 2011 مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق. وفي مايو، أشار رضوان إلى أن خسائر القطاع السياحي بلغت نحو 13.5 مليار جنيه، بينما كانت الصناعة تعمل بنصف طاقتها، وتراجعت الصادرات بنحو 40% عن مستويات ما قبل 25 يناير.
كما أوضح أن القطاع السياحي كان يفقد نحو مليار دولار شهريًا، بينما انخفضت القدرة الإنتاجية الصناعية بنحو 20%، مما يعكس حجم الضربة التي تعرض لها الاقتصاد في تلك المرحلة.
عجز الموازنة يقفز من 7.9% إلى 8.5%
لم تتوقف تداعيات الأحداث عند القطاعات الإنتاجية، بل انتقلت بسرعة إلى الموازنة العامة. كان عجز الموازنة قبل الأحداث في حدود 7.9% من الناتج المحلي، لكنه ارتفع إلى 8.5% بعد الأحداث، مع توقعات بوصول العجز في موازنة 2011/2012 إلى 9.1% أو حتى 9.5% من الناتج المحلي.
وفي مايو 2011، قدر رضوان حجم العجز المتوقع في الموازنة الجديدة بنحو 149.5 مليار جنيه، بينما وصل الدين العام إلى نحو 1.2 تريليون جنيه، في وقت ارتفعت فيه تكلفة الاقتراض المحلي من 7% إلى 11%، مما وضع الدولة في موقف صعب حيث كان عليها زيادة الإنفاق لمواجهة التداعيات الاجتماعية والاقتصادية مع تراجع مواردها.

7 مليارات جنيه تكلفتها الخزانة العامة بسبب الاحتجاجات
مع تزايد المطالب والإضرابات، واجهت الحكومة ضغوطًا إضافية على الإنفاق العام. وكشف رضوان في مايو 2011 أن الاحتجاجات كلفت الخزانة العامة نحو 7 مليارات جنيه، بينما كانت الحكومة مطالبة بالحفاظ على الخدمات الأساسية ومواجهة ارتفاع البطالة وتراجع النشاط الاقتصادي.
كان رضوان يرى أن استمرار توقف الإنتاج يعني معادلة خطيرة: إيرادات أقل، وإنفاق أكبر، وعجز أعلى، وحاجة أكبر إلى الاقتراض.
فجوة تمويلية في اقتصاد يبحث عن طوق نجاة
في مايو 2011، أشار وزير المالية الأسبق إلى أن مصر كانت تسعى للحصول على 4 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي للمساعدة في سد الفجوة التمويلية الناتجة عن تداعيات الثورة. في ذلك الوقت، كانت السياحة تفقد نحو مليار دولار شهريًا، بينما تراجعت الطاقة الإنتاجية الصناعية، مما جعل الحاجة إلى العملة الأجنبية واحدة من أبرز التحديات أمام الاقتصاد.
وبذلك، لم تكن “فاتورة يناير” مجرد رقم، بل كانت تراكمًا من الخسائر: إنتاج أقل، صادرات أقل، سياحة أقل، استثمار أقل، إنفاق حكومي أكبر، وعجز ودين في اتجاه صاعد.
رضوان.. وزير في لحظة كاشفة
تجربة سمير رضوان تعكس أنه لم يصل إلى وزارة المالية في ظروف تسمح بتطبيق برنامج اقتصادي طويل الأجل، بل كان عليه التعامل مع اقتصاد طوارئ. كان يتعامل مع توقف أجزاء من الإنتاج، وتراجع السياحة، وانخفاض الاستثمار، واضطراب سوق المال، وارتفاع المطالب الاجتماعية، وعودة عمال مصريين من ليبيا، مع محاولة الحفاظ على قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.
أصبحت تصريحاته في تلك الفترة كأنها سجل يومي لتداعيات الأزمة، حيث انتقل الحديث في أسابيع قليلة من الحفاظ على معدل نمو يقارب 6% إلى توقع نمو عند 2%، ومن عجز يبلغ 7.9% قبل الثورة إلى 8.5% بعدها، ثم توقعات تقترب من 10%.

ماذا بقي من «فاتورة يناير»؟
بعد مرور أكثر من 15 عامًا، تغيرت خريطة الاقتصاد المصري، وتغيرت أرقام الدين والنمو والاستثمار، لكن عددًا من الملفات التي ظهرت بحدة بعد يناير لا تزال في صدارة المشهد الاقتصادي، مثل الدين العام، الصناعة، الاستثمار، التشغيل، السياحة، العملة الأجنبية، وعجز الموازنة.
تبدو شهادة سمير رضوان أكثر من مجرد شهادة وزير تولى المسؤولية لفترة قصيرة، فهي شهادة اقتصادي وجد نفسه في قلب العاصفة، ورصد بالأرقام كيف يمكن لاضطراب سياسي كبير أن ينتقل سريعًا إلى الموازنة والإنتاج والسياحة والاستثمار وسوق العمل والنقد الأجنبي. رحل سمير رضوان، لكن الأرقام التي سجل بها واحدة من أصعب مراحل الاقتصاد المصري تظل شاهدة على حجم ما واجهه الاقتصاد بعد يناير، وعلى أن الأزمات السياسية لا تنتهي عند صناديق الاقتراع أو ميادين الاحتجاج، بل يمكن أن تمتد آثارها لسنوات إلى الإنتاج والدين والاستثمار وفرص العمل.