بينما تتدفق عائدات النفط إلى خزائن أوتاوا كأنها نهرٌ من الذهب الأسود، تواجه كندا معادلة معقدة تتطلب التوازن بين الفوائد الاقتصادية والمخاطر المحتملة. فكل ارتفاع في أسعار الطاقة يُعزز جزءًا من الاقتصاد، لكنه يُشعل في الوقت نفسه نار التضخم والقلق التجاري
في وقت تبدو فيه الأسواق وكأنها تسير فوق جليد رقيق، تجد الحكومة الكندية نفسها بين مطرقة الحروب الجيوسياسية في الشرق الأوسط وسندان الرسوم الجمركية الأمريكية، في مشهد يشبه سفينة تملأ أشرعتها رياح الأرباح بينما تتسع الشقوق في هيكلها الاقتصادي
الحرب في الشرق الأوسط تُعيد رسم خريطة المخاطر
أشار تقرير نشره موقع “أويل برايس” إلى أن دراسة حديثة من بنك كندا كشفت أن التوترات الجيوسياسية والتجارية أصبحت التهديد الأكبر للاقتصاد الكندي، حيث اعتبر 82% من المشاركين أن الحرب في الشرق الأوسط تمثل الخطر الأبرز على الاقتصاد في المرحلة الحالية.
كما رأى 79% من المشاركين أن تصاعد النزاعات التجارية، إلى جانب تشديد الأوضاع المالية عالميًا، يمثلان تهديدات رئيسة للنمو الاقتصادي، بعدما انتقلت بؤرة القلق من الرسوم الجمركية المرتبطة بسياسات الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” إلى تداعيات الحرب مع إيران، وما أحدثته من اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية وحركة شحن النفط والغاز والأسمدة عبر مضيق هرمز.
مفارقة النفط.. أرباح للخزانة ونار في الأسواق
حذّر محافظ بنك كندا “تيف ماكلم” من أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يدفع البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة للحفاظ على معدل التضخم المستهدف عند 2%.
وفي الوقت نفسه، تواجه كندا ما يُعرف بـ”مفارقة النفط”، إذ يؤدي ارتفاع الأسعار إلى زيادة تكاليف الوقود المحلية ورفع معدلات التضخم، لكنه يمنح الحكومة في المقابل فوائض مالية كبيرة نتيجة ارتفاع عائدات صادرات الطاقة.
فائض تجاري تاريخي مدفوع بالنفط والذهب
وسجل الاقتصاد الكندي أول فائض تجاري خلال ستة أشهر، بعدما تحول الميزان التجاري للسلع إلى فائض بلغ 1.78 مليار دولار في مارس 2026، مقارنة بتوقعات سابقة بعجز قدره 2.88 مليار دولار.
كما ارتفعت الصادرات الكندية بنسبة 8.5% لتصل إلى 72.8 مليار دولار، وهو ثاني أعلى مستوى على الإطلاق، فيما قفزت صادرات الطاقة بنسبة 15.6% لتبلغ 17.1 مليار دولار، مدفوعة بارتفاع صادرات النفط الخام بنسبة 18.9% نتيجة زيادة الأسعار بنحو 33.1%.
وفي السياق ذاته، ارتفعت صادرات المنتجات المعدنية بنسبة 24% لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 15.3 مليار دولار، مدفوعة بزيادة الطلب العالمي على الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا خلال الأزمات.
في المقابل، تراجعت الواردات الكندية بنسبة 1.6% لتصل إلى 71 مليار دولار، نتيجة انخفاض واردات السلع الاستهلاكية والأدوية والطائرات.
الحرب التجارية مع واشنطن تُربك الاقتصاد الكندي
ورغم تحسن مؤشرات التجارة، لا تزال التوترات الاقتصادية مع الولايات المتحدة تمثل أكبر عائق أمام الاقتصاد الكندي، إذ يرى 82% من المشاركين في الدراسة أن تخفيف النزاعات التجارية مع واشنطن سيكون العامل الإيجابي الأكثر تأثيرًا على الاقتصاد.
ويأتي ذلك وسط حالة واسعة من عدم اليقين بشأن مستقبل اتفاقية التجارة الثلاثية “USMCA” الموقعة بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك، والتي دخلت حيز التنفيذ عام 2020 لتحل محل اتفاقية “النافتا”.
وتنص الاتفاقية على ضرورة تصنيع 75% من مكونات السيارات داخل أمريكا الشمالية للاستفادة من الإعفاءات الجمركية، بينما يُنتظر أن تُعلن إدارة “ترامب” موقفها الجديد من الاتفاقية بحلول يوليو 2026، مع احتمالات استمرار المفاوضات حتى الخريف بسبب حسابات الانتخابات النصفية الأمريكية.
سيناريو الركود يلوح في الأفق
ورغم أن السيناريو الأساسي يتمثل في تمديد الاتفاقية لمدة 16 عامًا، فإن المخاوف تتزايد من سيناريو أكثر تشددًا قد تفرض فيه الولايات المتحدة رسومًا جمركية تصل إلى 35% على جميع الصادرات الكندية، وهو ما قد يدفع الاقتصاد الكندي إلى الركود.
كما تتداول تقارير احتمالات قيام البيت الأبيض بتفكيك الاتفاقية الثلاثية وتحويلها إلى اتفاقات ثنائية منفصلة، بما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدًا في العلاقات التجارية بأمريكا الشمالية.
كندا تُقلص اعتمادها التجاري على واشنطن
وفي ظل هذه الأجواء، بدأت كندا بالفعل تقليص اعتمادها التجاري على الولايات المتحدة، حيث انخفضت حصة السوق الأمريكية من إجمالي الصادرات الكندية إلى 66.7% في مارس 2026، وهو أدنى مستوى تاريخي، نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة “ترامب”.
ورغم ذلك، ارتفع الفائض التجاري الكندي مع الولايات المتحدة إلى 7.1 مليارات دولار، وهو الأعلى منذ سبتمبر 2025، مدفوعًا بزيادة صادرات سيارات الركاب والشاحنات الخفيفة بنسبة 8.3%.
في المقابل، تراجعت الواردات من الولايات المتحدة بنسبة 1.2% لتصل إلى 41.44 مليار دولار.
رسوم جمركية متبادلة تُعمق التوتر
وكانت إدارة “ترامب” قد فرضت رسومًا جمركية واسعة على السلع الكندية، شملت 50% على الصلب والألومنيوم، و35.2% على الأخشاب اللينة، و25% على صادرات السيارات، إضافة إلى رسوم أخرى على النحاس ومنتجاته.
وردّت كندا في البداية برسوم مماثلة على واردات أمريكية بقيمة 30 مليار دولار، قبل أن تتراجع عن عدد منها لاحقًا عقب بعض الإعفاءات الأمريكية، مع الإبقاء على الرسوم الانتقامية المتعلقة بالصلب والألومنيوم والسيارات.
تباطؤ اقتصادي رغم انتعاش النفط
وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع التحديث الاقتصادي الذي قدمه وزير المالية الكندي “فرانسوا-فيليب شامبان”، والذي أظهر تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي المتوقع إلى 1.1% خلال عام 2026 مقارنة بـ1.7% في 2025، قبل أن يعود الاقتصاد للنمو بنسبة 1.9% في 2027.
وفي المقابل، ساهم ارتفاع عائدات النفط في خفض العجز المالي الكندي بمقدار 11.5 مليار دولار ليصل إلى 66.9 مليار دولار خلال السنة المالية 2025/2026، بما يعادل 2.1% من الناتج المحلي الإجمالي.
