مضيق هرمز صورة أرشيفية.
تتجاوز تداعيات الاضطرابات في مضيق هرمز تأثيرها على قطاع النفط والنقل البحري، حيث بدأت تؤثر بشكل ملحوظ على سوق الأسمدة، مما ينعكس على أسعار الغذاء التي تهم المواطن بشكل مباشر.
الواقع الاقتصادي أصبح أكثر وضوحًا، إذ أن الاضطراب في الممرات الملاحية يرفع من مخاطر الشحن والطاقة، مما يؤدي إلى زيادة تكاليف إنتاج الأسمدة، وبالتالي ارتفاع أسعار الغذاء.
المثير أن التأثير لم يقتصر على النقل، بل شمل أيضًا الأسمدة النيتروجينية التي تعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي في تصنيعها.
اليوريا في دائرة الخطر
أظهرت التطورات الأخيرة قفزة كبيرة في أسعار الأسمدة، حيث تضاعفت أسعار اليوريا العالمية تقريبًا حتى أبريل 2026 مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة، بينما ارتفعت أسعار فوسفات ثنائي الأمونيوم «دي إيه بي» بنحو 35%.
في منطقة الشرق الأوسط، ارتفعت أسعار الأمونيا بنسبة 59% منذ 27 فبراير، بينما سجلت اليوريا زيادة بنسبة 39% خلال نفس الفترة، وفقًا لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
أما في السوق المصرية، فقد سجل سعر اليوريا الحبيبية نحو 527.50 دولارًا للطن في 17 سبتمبر 2026، مقارنة بنحو 510 دولارات في القراءة السابقة، مما يعكس زيادة تقارب 3.4%.
وعند النظر إلى متوسطات الشهر، بلغ متوسط سعر اليوريا المصرية خلال أغسطس نحو 460 دولارًا للطن، مقابل نحو 514.17 دولارًا في متوسط سبتمبر حتى 17 سبتمبر، مما يدل على استمرار الضغوط السعرية رغم تراجع السوق عن قمم الصدمة الأولى.
لماذا يؤثر هرمز على أسعار الأسمدة؟
السبب يكمن في الغاز الطبيعي، الذي يعد عنصرًا أساسيًا في إنتاج الأمونيا، وهي المادة الرئيسية في تصنيع الأسمدة النيتروجينية، مثل اليوريا.
لذا، فإن أي اضطراب في إمدادات الغاز أو ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين ينعكس سريعًا على تكلفة إنتاج ونقل الأسمدة.
تزداد حساسية السوق لأن جزءًا كبيرًا من تجارة الأسمدة العالمية يمر عبر منطقة الخليج، حيث تقدر الإحصائيات أن نحو 21 مليون طن من اليوريا و4 ملايين طن من فوسفات ثنائي الأمونيوم معرضة لمخاطر اضطراب حركة الملاحة.
من السماد إلى الغذاء.. السلسلة التي تهم المواطن
هنا تبدأ القصة التي تهم المستهلك مباشرة، فارتفاع أسعار السماد لا يعني بالضرورة زيادة فورية في أسعار الخضروات أو الحبوب، لكنه يرفع من تكلفة دورة الإنتاج الزراعي.
المزارع يواجه تكلفة أعلى للسماد، بالإضافة إلى تكاليف الري والطاقة والعمالة والنقل والمبيدات والتقاوي.
إذا استمرت الزيادة لفترة طويلة، قد يضطر بعض المنتجين إلى تقليل استخدام الأسمدة، مما يؤثر على إنتاجية بعض المحاصيل.
تحذر منظمة الأغذية والزراعة من أن استمرار اضطرابات هرمز لفترة طويلة قد يزيد من مخاطر انخفاض إنتاجية المحاصيل التي تعتمد على الأسمدة، مثل القمح والأرز والذرة.
أسعار الغذاء بدأت تعكس جانبًا من الضغوط
سجل مؤشر منظمة الأغذية والزراعة لأسعار الغذاء 133.3 نقطة في أغسطس 2026، مرتفعًا بنسبة 1.9% عن يوليو و2.5% مقارنة بأغسطس 2025.
لكن اقتصاديًا، لا يمكن إلقاء اللوم على اضطرابات هرمز وحدها في هذه الزيادة، فأسعار الغذاء عالميًا تتأثر بمجموعة متنوعة من العوامل، بما في ذلك الطقس والإنتاج والمخزونات والطاقة وسعر الصرف والتجارة الدولية.
وماذا عن مصر؟
تختلف الصورة في مصر نسبيًا، حيث تمتلك قاعدة إنتاج محلية جيدة للأسمدة، مما يساعد على تقليل تأثير الصدمات الخارجية على السوق المحلية.
أكدت وزارتا الزراعة والبترول في أغسطس 2026 استمرار الحصة السنوية لمنظومة الأسمدة المدعمة عند 2.4 مليون طن، مع استمرار إمدادات الغاز لمصانع الأسمدة.
في السوق الحرة، سجل طن اليوريا نحو 25,024 جنيهًا في 18 سبتمبر، بينما بلغ طن نترات النشادر نحو 24,562 جنيهًا، وسجل طن سلفات النشادر قرابة 19,358 جنيهًا.
داخل منظومة الدعم، بلغ سعر شيكارة اليوريا 290 جنيهًا وشيكارة النترات 285 جنيهًا وفق البيانات المنشورة.
هذا الفارق مهم، لأن المزارع المستفيد من منظومة الدعم لا يتأثر بالصدمات العالمية بنفس الطريقة التي يواجهها السوق الحر.
هل يعني ذلك ارتفاع أسعار الغذاء في مصر؟ ليس بالضرورة، ولا بنفس نسبة ارتفاع الأسمدة، فالسعر النهائي للغذاء يتحدد وفق مجموعة من العوامل، وليس سعر السماد وحده، لكن الخطر الحقيقي يظهر إذا تحولت اضطرابات هرمز من أزمة مؤقتة إلى أزمة مستمرة، لأن استمرار ارتفاع تكلفة الطاقة والأسمدة والشحن يمكن أن يزيد من تكلفة الإنتاج الزراعي، ويؤثر على قرارات الزراعة للمواسم المقبلة.
تشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن سيناريو يجمع بين ارتفاع أسعار الأسمدة العالمية بنحو 50% وصعود النفط إلى نحو 115 دولارًا للبرميل يمكن أن يؤدي إلى زيادة أسعار السلع الزراعية بنحو 4% خلال 2026 ونحو 8% في 2027 مقارنة بخط الأساس.
المعركة الحقيقية ليست عند المضيق فقط
أزمة هرمز كشفت أن أمن الغذاء العالمي يعتمد على تأمين الطاقة والأسمدة وسلاسل الإمداد قبل وصول المنتج إلى الأسواق.
بالنسبة لمصر، فإن استمرار الإنتاج المحلي من الأسمدة، وتأمين الغاز لمصانعها، والحفاظ على منظومة الدعم، وتوفير المخزون المناسب، وتنويع مصادر الإمداد، كلها عوامل تساعد في تقليل تأثير الصدمات العالمية على المزارع والمستهلك.
لكن المعادلة ستظل مرتبطة بسؤال واحد، كم ستستمر اضطرابات مضيق هرمز؟ فإذا عادت حركة التجارة إلى طبيعتها سريعًا، يمكن أن تنحسر الضغوط تدريجيًا، أما إذا طال أمد الأزمة، فقد تنتقل تداعياتها من سعر السفينة والغاز إلى سعر السماد، ثم تكلفة الفدان، وأخيرًا فاتورة الغذاء على مائدة المواطن، وهنا تصبح أزمة هرمز قصة غذاء بقدر ما هي قصة نفط.