تواجه السياسة الجمركية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتقادات متزايدة من جوانب قانونية واقتصادية، حيث تحولت الرسوم المفروضة على الواردات إلى عبء مباشر على الشركات والمستهلكين في الولايات المتحدة، بدلاً من أن تحقق الأهداف المعلنة بتقليص العجز التجاري وإنعاش قطاع التصنيع
في الوقت الذي تسعى فيه مئات الشركات لاسترداد مليارات الدولارات التي دفعتها كرسوم جمركية، تشير المؤشرات الاقتصادية إلى اتساع العجز التجاري وتراجع الوظائف في القطاع الصناعي، مما يثير تساؤلات حول جدوى هذه السياسات وتأثيراتها على الاقتصاد الأمريكي.
ولايات أمريكية تتحدى الرسوم الجمركية أمام القضاء
دخلت السياسات التجارية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرحلة جديدة من التحديات، حيث رفعت 25 ولاية أمريكية يقودها الديمقراطيون دعوى قضائية أمام محكمة التجارة الدولية في نيويورك للطعن في أحدث حزمة من الرسوم الجمركية المفروضة على واردات من 60 شريكًا تجاريًا.
تقدمت هذه الدعوى بعد سلسلة من الطعون التي قدمتها شركات أمريكية صغيرة، في اليوم نفسه الذي بدأت فيه الإجراءات الجديدة.
الشركات الأمريكية تتحمل فاتورة الرسوم
يشير تقرير نشرته صحيفة “ذا هيل” إلى أن الرسوم الجمركية لم تتحملها الدول المصدرة كما ادعت الإدارة الأمريكية، بل دفعتها الشركات والمستهلكون في الداخل.
أوضح التقرير أن الرئيس ترامب اكتفى بإصدار أوامر تنفيذية لدراسة إنشاء آلية لتحصيل إيرادات من الدول الأخرى، لكن الواقع العملي أظهر أن التكلفة النهائية انتقلت إلى الاقتصاد الأمريكي.
كما اعتبرت مؤسسة “ريزون” أن الرسوم الجمركية تمثل أكبر زيادة ضريبية يتحملها الأمريكيون منذ عام 1993.
مليارات الدولارات في طريقها للعودة إلى الشركات
تزايدت الضغوط على الإدارة الأمريكية مع تحرك أكثر من ألف شركة للمطالبة باسترداد الرسوم التي دفعتها.
شملت قائمة الشركات المتضررة أسماء كبرى مثل فورد وجنرال موتورز وفيديكس وكوستكو وريفلون، حيث رفعت دعاوى أمام محكمة التجارة الدولية للمطالبة باسترداد حصتها من نحو 133 مليار دولار تم دفعها كرسوم جمركية.
وفقًا لتقديرات نشرتها صحيفة “يو إس إيه توداي”، من المتوقع أن تحصل الشركات الأمريكية على مليارات الدولارات كتعويضات واستردادات من الحكومة الأمريكية خلال الفترة المقبلة.
شركات السيارات في مقدمة المتضررين
تكشف نتائج شركات السيارات حجم الأعباء التي فرضتها الرسوم الجمركية.
أعلنت شركة فورد موتور أنها تحملت نحو ملياري دولار من الرسوم خلال عام 2025، مع توقعات بدفع مبلغ مماثل خلال عام 2026.
كما دفعت شركة جنرال موتورز نحو ملياري دولار خلال عام 2025، وهو ما انعكس على تكاليف التشغيل وربحية الشركات.
العجز التجاري يسجل أعلى مستوى في تاريخ الولايات المتحدة
رغم أن الإدارة الأمريكية بررت فرض الرسوم الجمركية بضرورة تقليص العجز التجاري، فإن الأرقام تشير إلى نتيجة معاكسة.
بلغ العجز التجاري الأمريكي في آخر عام من ولاية الرئيس السابق جو بايدن نحو 1.2 تريليون دولار في عام 2024، قبل أن يرتفع إلى 1.23 تريليون دولار خلال السنة الأولى من عودة ترامب إلى البيت الأبيض.
وبذلك، سجل العجز التجاري في عهد ترامب أعلى مستوى في تاريخ الولايات المتحدة، رغم تطبيق سياسة الرسوم الجمركية على نطاق واسع.
وعود إنعاش التصنيع لم تتحقق
من بين أبرز الوعود التي صاحبت فرض الرسوم الجمركية، تعهد الإدارة الأمريكية بإعادة الوظائف الصناعية إلى الداخل الأمريكي.
لكن بيانات سوق العمل أظهرت اتجاهًا مغايرًا، حيث انخفض عدد العاملين في قطاع التصنيع من نحو 12.67 مليون وظيفة في يناير 2025 إلى حوالي 12.6 مليون وظيفة بحلول يونيو 2026، مما يعكس استمرار الضغوط على القطاع الصناعي.
إيرادات الرسوم لا تكفي لسد العجز المالي
روج ترامب إلى أن الرسوم الجمركية يمكن أن توفر مليارات، وربما تريليونات الدولارات، بما يسمح بتقليص عجز الموازنة، بل واستبدال ضريبة الدخل مستقبلًا.
لكن الواقع المالي جاء مختلفًا، إذ تراوحت إيرادات الرسوم الجمركية خلال العام الماضي بين 130 و160 مليار دولار، في حين بلغ العجز الفيدرالي نحو 1.78 تريليون دولار في عام 2025، مع توقعات بارتفاعه إلى قرابة 2 تريليون دولار خلال عام 2026.
تعني هذه الأرقام أن عائدات الرسوم لم تتجاوز عُشر قيمة العجز الفيدرالي، كما أنها تمثل نسبة محدودة من إجمالي الإنفاق الحكومي الذي يقترب من 7 تريليونات دولار.
رفض شعبي متزايد للسياسات الجمركية
إلى جانب الانتقادات الاقتصادية، تواجه الرسوم الجمركية معارضة متزايدة داخل الولايات المتحدة.
وفقًا لاستطلاع أوردته شبكة “سي إن إن”، يعارض 63% من الأمريكيين الرسوم الجديدة، في ظل اعتقاد واسع بأنها أسهمت في رفع أسعار السلع الأساسية وزيادة الضغوط المعيشية على الأسر الأمريكية.
سياسة مكلفة بنتائج محدودة
تكشف المؤشرات الاقتصادية أن الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب لم تحقق أهدافها الرئيسية المتمثلة في خفض العجز التجاري أو تعزيز قطاع التصنيع أو معالجة عجز الموازنة.
في المقابل، فرضت أعباء مالية كبيرة على الشركات الأمريكية، ودفعت المئات منها إلى اللجوء للقضاء لاسترداد مليارات الدولارات، بينما ظل المستهلك الأمريكي الطرف الأكثر تأثرًا بارتفاع الأسعار، مما يجعل هذه السياسة واحدة من أكثر الملفات الاقتصادية إثارة للجدل في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.