في ظل تزايد اعتماد الدول على العملات الرقمية، تبرز العملات المستقرة كموضوع مثير للجدل، حيث تُثير المخاوف بشأن تأثيرها على النظام المالي العالمي، خاصة مع استخدامها المتزايد بعيدًا عن الرقابة التقليدية.
تعتبر الولايات المتحدة العملات المستقرة وسيلة لتعزيز قوة الدولار، بينما تخشى المؤسسات المالية من استخدامها في أنشطة غير مشروعة، في حين تسعى الصين لتطوير بديل رقمي أكثر تنظيمًا. وأكد خبراء الاقتصاد على المخاطر المرتبطة بهذه العملات، بالإضافة إلى المنافسة بين واشنطن وبكين في مجال المدفوعات الرقمية، وفقًا لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء.
هيمنة محافظ إلكترونية ذاتية الحفظ
أشارت الخبيرة الاقتصادية جيتا جوبيناث إلى أن حوالي 75% من عملات USDT وUSDC محفوظة في محافظ إلكترونية ذاتية الحفظ، حيث يتحكم المستخدمون في مفاتيح التشفير. وأوضحت أن نصف التحويلات تتم بين هذه المحافظ، مما يجعل المعاملات مرئية عبر تقنية البلوك تشين، لكن تظل هويات المرسلين والمستلمين مجهولة، مما يزيد من تعقيد جهود الرقابة المالية.
مخاوف من تنامي الأنشطة غير المشروعة
ذكرت جوبيناث أن العملات المستقرة أصبحت وسيلة شائعة في الأنشطة المالية غير المشروعة بسبب سرعتها ودرجة إخفاء الهوية. وأكد فرانسوا فيليروي دي جالو، محافظ بنك فرنسا السابق، أن الدراسات تشير إلى صعوبة تحديد هوية مستخدمي هذه العملات، رغم الجهود السابقة للحد من إخفاء مصادر الأموال.
ثغرات تنظيمية خارج الرقابة الأمريكية
أوضحت بلومبرج أن جزءًا كبيرًا من العملات المستقرة يتجاوز الوسطاء الخاضعين للرقابة في الولايات المتحدة، مثل منصتي كوين بيس وكراكن، ويُتداول عبر منصات مركزية تعمل خارج نطاق قانون تنظيم العملات المستقرة الأمريكي “GENIUS”. وهذا يثير تساؤلات حول الجهة المسؤولة عن مكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة.
واشنطن وبكين.. تحديات مشتركة رغم اختلاف الأهداف
تمثل العملات المستقرة تحديًا استراتيجيًا لكل من الولايات المتحدة والصين، رغم اختلاف دوافع كل منهما. الولايات المتحدة ترى في العملات المستقرة وسيلة لتعزيز نفوذ الدولار، بينما تواجه الصين تحديات من استخدام هذه العملات للالتفاف على القيود المفروضة على حركة رؤوس الأموال.
153 مليار دولار تدفقات مرتبطة بالصين
استخدم ماركو رويتر، المتخصص في العملات الرقمية لدى صندوق النقد الدولي، تقنيات الذكاء الاصطناعي لتتبع تداولات العملات المستقرة، وأظهرت النتائج أن التدفقات المرتبطة بالصين بلغت نحو 153 مليار دولار في عام 2024، أي أكثر من 5.5 أضعاف التقديرات السابقة. معظم هذه التدفقات تمر عبر منصات غير أمريكية، رغم حجب مواقعها داخل الصين.
الصين تطور بدائل رقمية خاضعة للرقابة
عملت الصين على تطوير نظام مدفوعات رقمي خاضع لإشراف الدولة، ومن أبرز هذه المبادرات منصة CIPS، التي تربط البنوك الصينية بالمؤسسات المالية الأجنبية، بالإضافة إلى مشروع mBridge، الذي يتيح تسوية المدفوعات الدولية بعيدًا عن نظام سويفت. اليوان الإلكتروني يُعتبر نسخة رقمية من ودائع البنوك التجارية، ويُتداول في بيئة تنظيمية تخضع لرقابة كاملة.
هونغ كونغ.. مختبر العملات المستقرة
تستخدم الصين هونغ كونغ كنقطة انطلاق لتجربة رؤيتها للمدفوعات الرقمية، حيث تسعى السلطات لتوسيع استخدام العملات المستقرة في المعاملات اليومية، مع الاستفادة من تقنية البلوك تشين. ورغم ذلك، لا تزال الجهات المصدرة للعملات المستقرة ملزمة بإجراءات التحقق من هوية العملاء.
ابتكار أم مخاطرة؟
في ظل وجود 2.5 تريليون دولار من النقد المتداول عالميًا، قد يعتبر البعض الاحتفاظ بأكثر من 300 مليار دولار في شكل عملات مستقرة مخاطرة يمكن تحملها لدعم الابتكار المالي. لكن الخبراء يحذرون من أن التوسع السريع في سوق العملات الرقمية قد يجعل المنافسة بين الولايات المتحدة والصين أكثر حدة، مع تمسك كل طرف بسلطته في الرقابة على حركة الأموال.