لم تعد الحرب التجارية بين كندا والولايات المتحدة تُقاس فقط بأرقام الرسوم الجمركية وحجم الصادرات والواردات، بل انتقلت المواجهة إلى مكان أكثر قرباً من المواطن الكندي، وهو عربة التسوق وقرار السفر
مع تصاعد النزاع التجاري بين البلدين، تزداد في كندا الدعوات لتفضيل المنتجات المحلية، مما جعل من “شراء المنتج الكندي” سلوكاً اقتصادياً يحمل رسالة سياسية واضحة إلى واشنطن. هذه الدعوات تجد دعماً متزايداً من حكومة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، التي تسعى لمنح المقاطعة الشعبية للمنتجات الأمريكية زخماً جديداً، باعتبارها إحدى الأدوات المتاحة للمستهلكين لمواجهة الضغوط التجارية الأمريكية.
وزير المال فرانسوا-فيليب شامبان أكد أن القوة الشرائية للكنديين تمثل إحدى أهم الأدوات التي يمكن استخدامها، ودعا المواطنين لاختيار المنتجات الكندية، فيما أكدت وزيرة الصناعة ميلاني جولي أن شراء المنتج المحلي لا يضغط فقط على الولايات المتحدة، بل يساهم أيضاً في حماية الوظائف داخل كندا.
من رفوف المتاجر إلى «اقتصاد الوطنية»
داخل المتاجر الكندية، بدأت آثار هذا التحول تظهر بصورة أكثر وضوحاً. فالمستهلكون باتوا يهتمون بشكل متزايد بمصدر المنتجات، حتى عندما يعني اختيار المنتج الكندي دفع سعر أعلى. في مونتريال، يقول بيتر جيانوبوليس، مدير أحد المتاجر الكبرى، إن سلوك المتسوقين بدأ يتغير، مشيراً إلى أن الزبائن أصبحوا يسألون عن بلد المنشأ ويفضلون المنتجات القادمة من كيبيك.
ولم تتوقف الاستجابة عند سلوك المستهلكين، إذ لجأ تجار التجزئة إلى إبراز الهوية الكندية من خلال ملصقات تحمل رمز ورقة القيقب وتوضح منشأ السلع، فيما تبنت بعض المتاجر حملات تسويقية تخاطب الحس الوطني لدى المستهلكين. وهكذا، تحولت رفوف المتاجر إلى مساحة جديدة من المنافسة الاقتصادية، وأصبح اختيار عبوة أو منتج محلي بمثابة تصويت اقتصادي صغير في نزاع تجاري أكبر بكثير.
المقاطعة تعبر الحدود
ولم تقتصر موجة “اشترِ كندياً” على المنتجات والسلع اليومية، بل امتدت إلى قطاع السياحة. بعد أن شهد العام الماضي تراجعاً كبيراً في أعداد الكنديين المتجهين إلى الولايات المتحدة، اختار بعض المواطنين تغيير وجهاتهم السياحية وتفضيل قضاء العطلات داخل كندا أو خارج الولايات المتحدة. المحامية شارلوت دومونسو قررت عدم قضاء عطلتها في الولايات المتحدة خلال السنوات المقبلة، في تعبير يعكس كيف أصبح الخلاف التجاري مؤثراً في قرارات شخصية كانت تبدو بعيدة عن السياسة والاقتصاد.
لكن المقاطعة السياحية بدأت تفقد بعض زخمها خلال الأشهر الأخيرة، إذ تشير بيانات هيئة الإحصاء الكندية إلى تسجيل نحو 2.3 مليون رحلة من كندا إلى الولايات المتحدة في يونيو، بزيادة بلغت 5% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
الولايات الأمريكية ترد بالعروض
وفي المقابل، تحاول الولايات الأمريكية الحدودية استعادة السائح الكندي عبر عروض وحوافز خاصة. ومن أبرز الأمثلة مبادرة أطلقتها ولاية نيويورك تحت شعار “نيويورك تحب كندا”، تتضمن عروضاً ترويجية تستهدف الزوار الكنديين حتى نهاية العام. هنا تبدو المفارقة واضحة، فبينما تحاول كندا تحويل القوة الشرائية لمواطنيها إلى أداة لحماية اقتصادها والضغط على الولايات المتحدة، تعمل الأخيرة على إقناع الكنديين بأن العلاقات الاقتصادية والسياحية بين الجارين لا تزال أقوى من أن تقطعها الرسوم الجمركية.