ليس اجتماعًا عاديًا لدول تجمعها عضوية اقتصادية واحدة، بل هو محاولة لإعادة ترتيب أدوات التعاون بين اقتصادات تمثل كتلة ضخمة من الاقتصاد العالمي. قمة البريكس الحالية، التي تستضيفها الهند يومي 12 و13 سبتمبر، تركز على مجموعة متنوعة من الملفات العملية تشمل التجارة والتمويل وسلاسل الإمداد والطاقة والغذاء والذكاء الاصطناعي والعلوم والتكنولوجيا.
تدخل الهند قمتها تحت شعار «بناء القدرة على الصمود والابتكار والتعاون والاستدامة»، وتضم المجموعة 11 دولة، من بينها مصر، وتمثل مجتمعة نحو 49.5% من سكان العالم و40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي و26% من التجارة العالمية.
لماذا تحظى قمة البريكس باهتمام كبير؟
هذا العام، تسعى الرئاسة الهندية إلى جعل البريكس منصة فعالة، حيث عقدت أكثر من 350 اجتماعًا وفعالية رفيعة المستوى في 25 مدينة، وأسفرت المناقشات الوزارية عن أكثر من 50 نتيجة عملية في مجالات متعددة. هنا، تظهر الملفات المهمة التي يمكن أن ترسم شكل المرحلة المقبلة.
أول الملفات.. التجارة وسلاسل الإمداد
في مقدمة أجندة البريكس يأتي البحث عن سلاسل إمداد أكثر قدرة على مواجهة الأزمات. تم الاتفاق على خطة عمل لسلاسل القيمة العالمية للفترة 2026-2030، تشمل إنشاء مجلس فني ودراسة مشتركة لتعزيز التعاون بين دول المجموعة، مع التركيز على تنويع الأسواق وزيادة كفاءة سلاسل القيمة.
تظهر أهمية هذا الملف بالنسبة لمصر، حيث يمكن أن تستفيد من توسع الأسواق داخل البريكس وربط الشركات المصرية بسلاسل إنتاج وتوريد جديدة.
الجمارك أمام خطوة جديدة.. تجارة أسرع وتكلفة أقل
من الملفات التي قد تؤثر بشكل مباشر على حركة التجارة هو التعاون الجمركي. فقد أبدت دول البريكس موافقة مبدئية على اتفاق للتعاون الإداري المتبادل في المسائل الجمركية، يستهدف تسريع التجارة وخفض تكاليف المعاملات وتعزيز أمن الحدود.
بمعنى آخر، يسعى البريكس إلى جعل انتقال البضائع بين دول المجموعة أسرع وأسهل وأقل تكلفة.
المفاجأة.. البريكس يقترب من الشركات الصغيرة
لم تقتصر أجندة البريكس على الشركات العملاقة، بل خصصت مساحة كبيرة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة. في اجتماع وزراء التجارة، تم الاتفاق على مبادئ لتقييم الائتمان للمشروعات الصغيرة الموجهة للتصدير، مما يسمح بالتركيز على التدفقات النقدية وقدرة الشركة على السداد.
كما تم الدفع نحو دراسة آلية لخصم الفواتير، في محاولة لمعالجة فجوة تمويل التجارة العالمية التي تقدر بنحو 2.5 تريليون دولار.
التعليم والمهارات.. تجهيز قوة العمل الجديدة
يمتد التعاون إلى التعليم من خلال ملفات تنمية المهارات والتعليم الفني والمهني، والبحث العلمي والابتكار. هذا الملف يرتبط بشكل مباشر بالتحولات التي تفرضها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على سوق العمل.
ماذا يعني كل ذلك لمصر؟
بالنسبة لمصر، فإن أهمية هذه الملفات لا تتوقف عند المشاركة في اجتماعات القمة، بل ترتبط بالفرص الاقتصادية التي يمكن أن تنتج عنها. التعاون في سلاسل الإمداد والجمارك والتمويل والتجارة الرقمية والطاقة يمكن أن يفتح مساحات جديدة أمام الشركات المصرية، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة.
كما يمكن لمصر الاستفادة من موقعها الجغرافي وقدراتها اللوجستية في أي توسع مستقبلي في حركة التجارة.
البريكس في 2026.. ماذا يريد أن يصبح؟
الصورة التي ترسمها الملفات المطروحة تكشف أن البريكس يتحرك نحو تعاون اقتصادي أكثر عملية؛ تجارة أسرع وسلاسل إمداد أكثر مرونة وطاقة أكثر أمنًا. يبقى السؤال الأهم: هل تنجح دول البريكس في تحويل هذه المبادرات إلى مشروعات واستثمارات فعلية على الأرض؟
الإجابة ستكون أهم من أي بيان سياسي، لأن قوة البريكس ستقاس بقدرته على تحويل حجمه الهائل إلى مكاسب ملموسة للشركات والمستثمرين، بما في ذلك مصر.