ذكرت صحيفة «الجارديان» البريطانية أن التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة لتأمين السفن التجارية من الهجمات الإيرانية عبر وجود بحري مباشر في مضيق هرمز ليست جديدة، بل تعود جذورها إلى قرنين من الزمن عندما أرسلت الولايات المتحدة قوة بحرية كبيرة إلى البحر المتوسط لحماية سفنها من القراصنة اليونانيين.
بين عامي 1825 و1827، قاد الكومودور جون رودجرز تلك الحملة، وكانت الجمهورية الأمريكية الناشئة آنذاك تركز على حماية التجارة الأمريكية بدلاً من التدخل في الصراعات السياسية مثل استقلال اليونان عن الإمبراطورية العثمانية، حيث كانت المصلحة الذاتية هي المحرك الأساسي لسياساتها.
بعد تراجع ترامب عن دعوته لثورة شعبية في إيران، انتهى الصراع مع طهران إلى نتيجة مشابهة، حيث استمرت الولايات المتحدة في التأكيد على مبدأ حرية الملاحة رغم عدم انضمامها لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.
حرية الملاحة ورسوم العبور
في يونيو، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو رفضه للمطالب الإيرانية بفرض رسوم على المرور عبر الممرات المائية الدولية، لكن ترامب طرح لاحقًا إمكانية فرض رسوم على العبور، قبل أن يتراجع عن هذا الاتجاه.
المثير أن «مذكرة التفاهم» الموقعة مع إيران الشهر الماضي اعترفت بحقها في الحصول على إيرادات من حركة السفن عبر مضيق هرمز، رغم الضغوط الأمريكية المتزايدة.
على الرغم من الضغوط، تظل هذه المذكرة الوثيقة الوحيدة التي يمكن أن تؤدي إلى اتفاق سلام مستقبلي، مما يعكس تناقضًا في السياسة الأمريكية ويشير إلى تراجع أوسع في مبدأ «البحر الحر» الذي يستند إليه القانون البحري.
تآكل نظام البحر الحر
تظهر الصحيفة أن موقف ترامب يعكس تراجع الإجماع حول مبدأ «البحر الحر»، حيث يتبنى ترامب رؤية تقوم على أن الدول، وخاصة الولايات المتحدة، يمكنها التصرف بشكل منفرد لتحقيق مصالحها، دون الالتزام بالقوانين أو المعاهدات الدولية.
هذا النهج يعزز زعزعة الاستقرار، حيث بدأت دول أخرى في اتباع نفس الأسلوب، مما يثير القلق بشأن مستقبل الملاحة الدولية.
الصراع البحري في القرن الحادي والعشرين لا يشبه المواجهات الضخمة السابقة، ولكنه يتركز حول قضايا الدفاع والأمن وحرية التجارة، مما يجعل الوضع أكثر تعقيدًا.
امتداد أزمة هرمز
التوترات في مضيق هرمز بدأت تؤثر على مناطق أخرى، حيث بدأت جماعة الحوثي في اليمن بفرض إجراءات مشابهة في مضيق باب المندب، مما يزيد من القلق بشأن أسواق الطاقة.
كما ظهرت نقاشات في إندونيسيا حول إمكانية فرض رسوم عبور في مضيق ملقا، وهو ما قد يؤثر على حركة الملاحة الدولية بشكل أكبر.
التطورات الأخيرة تطرح تساؤلات حول إمكانية فرض تركيا رسوم مرور عبر مضيق البوسفور أو إسبانيا عبر مضيق جبل طارق، مما قد يؤثر على التجارة العالمية التي تعتمد بشكل كبير على النقل البحري.
صعود التوتر في آسيا
في الوقت نفسه، تتصاعد المواجهات البحرية في بحر الصين الجنوبي، حيث تقوم الصين ببناء جزر اصطناعية وتوسيع نفوذها العسكري، مما يزيد من حدة التوترات مع الدول المجاورة.
تتجاهل بكين قواعد القانون الدولي عندما تتعارض مع مصالحها، وهذا التصعيد يشكل تهديدًا للأمن البحري في المنطقة.
الأسبوع الماضي، أجرت الصين تدريبات عسكرية بالقرب من المياه اليابانية، مما زاد من القلق بشأن إمكانية تدخل عسكري ياباني في حال حدوث تصعيد أكبر.
روسيا تدخل المواجهة البحرية
أيضًا، تظهر روسيا كلاعب رئيسي في الصراع البحري، حيث تعزز من أنشطتها العسكرية في البحر الأسود وبحر البلطيق، مستهدفة البنية التحتية تحت الماء.
الأسطول الروسي تعرض لخسائر كبيرة في أوكرانيا، مما دفعه لتوسيع أنشطته العسكرية في مناطق جديدة، ما يزيد من تعقيد المشهد البحري العالمي.
استعراض روسي قرب بريطانيا
في خطوة تصعيدية، أجرت سفينة حربية روسية تدريبات باستخدام ذخيرة حية بالقرب من المياه البريطانية، مما يعكس التوتر المتزايد بين روسيا وحلف الناتو.
تلك الأنشطة ليست مجرد استعراض للقوة، بل تحمل في طياتها رسائل ضغط تهدف إلى اختبار جاهزية الدفاعات البريطانية والأوروبية في ظل تصاعد التوترات البحرية.