أعاد الدكتور فخري الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، تسليط الضوء على قضية الاقتصاد غير الرسمي، حيث أشار إلى أن هذا القطاع يمثل حوالي 50% من النشاط الاقتصادي في مصر. وأكد أن دمج هذا القطاع في المنظومة الرسمية يمكن أن يحدث تغييرًا جذريًا في هيكل الاقتصاد الوطني.
رغم أن الحديث عن الاقتصاد غير الرسمي ليس جديدًا، إلا أن الجديد هو حزمة الحوافز الضريبية والتمويلية التي تقدمها الدولة لتشجيع أصحاب المشروعات على الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي، بدلاً من الاعتماد على أدوات الرقابة فقط.
لكن يبقى السؤال: هل تكفي الحوافز وحدها لإقناع ملايين العاملين في اقتصاد الظل بتغيير أوضاعهم؟
تشير الدراسات إلى أن القضية تتجاوز مجرد تحصيل الضرائب، حيث تشمل إعادة تنظيم قطاع اقتصادي ضخم يضم الباعة الجائلين، والورش الصغيرة، والأسر المنتجة، والحرفيين، ومقدمي الخدمات المنزلية، وآلاف المشروعات التي تعمل خارج السجلات الرسمية.
في المقابل، يواجه التاجر الملتزم بالقانون تحديات كبيرة، فهو يدفع الضرائب ورسوم التراخيص والتأمينات، بينما ينافسه آخرون يعملون دون الالتزام بنفس الأعباء.
يقول أحد أصحاب المحال التجارية: “نلتزم بكل الرسوم والتراخيص، لكن الباعة الجائلين يحيطون بالمحال من كل اتجاه، مما يؤثر على الإقبال على الشراء داخل المتاجر النظامية”.
هذه الصورة توضح جزءًا من المطالبات المستمرة بإيجاد آليات لدمج التجارة العشوائية في الاقتصاد الرسمي، لتحقيق التوازن بين حماية حقوق الدولة وضمان المنافسة العادلة.
وتكشف دراسات سابقة أن مفهوم البائع المتجول لم يعد مقتصرًا على بائع الخضروات أو الملابس، بل يشمل العديد من الأنشطة مثل خدمات الصيانة المتنقلة، ومندوبي المبيعات، والأسر المنتجة، وبعض الأنشطة الرقمية الصغيرة.
رغم ذلك، لا تزال رحلة الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي تواجه عقبات إجرائية، إذ يواجه صاحب المشروع تحديات في التعامل مع جهات حكومية متعددة للحصول على التراخيص، مما يدفع الكثيرين للبقاء خارج المنظومة.
ويرى خبراء الاقتصاد أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بتبسيط الإجراءات، وتوحيد جهة التعامل مع المستثمر الصغير، وتفعيل نظام “الشباك الواحد”.
يؤكد الدكتور فخري الفقي أن الدولة بدأت بالفعل تقديم رسائل طمأنة لأصحاب المشروعات الصغيرة، من خلال نظام ضريبي مبسط لا تتجاوز نسبته 1.5% من الإيرادات للمشروعات التي لا تزيد إيراداتها على 20 مليون جنيه سنويًا. كما يتم منح أصحاب هذه المشروعات بطاقات ضريبية تتيح لهم الحصول على التمويل البنكي والاستفادة من مبادرات المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
تشير الدراسات إلى أن دمج الاقتصاد غير الرسمي لا يقتصر فقط على زيادة الإيرادات العامة، بل يساهم أيضًا في رفع معدلات النمو، وتحسين جودة المنتجات، وتوسيع قاعدة التشغيل الرسمي، وإتاحة مظلة التأمينات الاجتماعية والصحية للعاملين.
ويبقى نجاح هذه المهمة مرهونًا بقدرة الحكومة على تقديم نموذج يجعل الانضمام إلى الاقتصاد الرسمي أكثر جدوى من البقاء خارجه، فكلما انخفضت تكلفة الشرعية، زادت الفرص لانتقال اقتصاد الظل إلى النور، وتحوله من عبء مزمن إلى رافد جديد للنمو والتنمية.