لم يعد النفط مجرد سلعة تتأثر بعوامل العرض والطلب، بل أصبح الصراع الأمريكي الإيراني عنصراً رئيسياً يعيد تشكيل أسعار الطاقة العالمية. فكل تطور عسكري أو سياسي بات له تأثير مباشر على سعر البرميل، مما يجعل الأسواق في حالة تأهب دائم.
منذ بداية الحرب، شهد خام برنت تقلبات حادة في الأسعار. فقد انطلق من حوالي 71.66 دولاراً للبرميل في 19 فبراير 2026، ليصل إلى مستويات تاريخية تجاوزت 126 دولاراً في أواخر أبريل، ثم تراجع مجدداً إلى حدود 72 دولاراً في يونيو ويوليو، قبل أن يعود للصعود مجدداً ويتجاوز 100 دولار في سبتمبر. تعكس هذه التقلبات القلق السائد في سوق الطاقة، خاصة مع المخاوف المستمرة بشأن حركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة النفط العالمية.
من 71 إلى 126 دولارًا.. القفزة الكبرى
قبل تصاعد الحرب، كان خام برنت يتحرك بالقرب من مستوى 70 دولاراً. ومع اتساع نطاق المواجهة، بدأت الأسعار تسجل قفزات متتالية. في مارس، شهد السوق واحدة من أعنف موجات الصعود، إذ ارتفع برنت بأكثر من 50% خلال الشهر، ووصل في إحدى جلساته إلى نحو 119.50 دولاراً للبرميل. لكن القمة الأبرز جاءت في أواخر أبريل، عندما أغلق برنت عند 118.03 دولاراً في 29 أبريل، ليصل في اليوم التالي إلى 126.41 دولاراً. وبالمقارنة مع سعر 19 فبراير، فإن البرميل أضاف أكثر من 54 دولاراً، بزيادة تقارب 76% خلال فترة قصيرة.
المفاجأة.. النفط يفقد أكثر من 50 دولارًا من قمته
لكن الأسواق لم تستمر في تسعير الحرب بنفس الوتيرة. مع تحسن التوقعات بشأن التهدئة السياسية، بدأت الأسعار تفقد جزءاً كبيراً من مكاسبها. في يونيو، هبط برنت إلى حدود 72 دولاراً، وسجل في 6 يوليو نحو 71.99 دولاراً، مما جعله قريباً من الأسعار التي كانت قبل الحرب. وبذلك، فقد خام برنت نحو 54 دولاراً من أعلى مستوى سجله خلال الأزمة، مما يعكس سرعة تغير توقعات المستثمرين بشأن مستقبل الإمدادات.
يوليو لم يكن نهاية القصة
رغم عودة النفط إلى مستويات قريبة من 70 دولاراً، لم تستقر السوق. مع تجدد التوترات العسكرية والمخاوف المتعلقة بالملاحة في الخليج، عاد برنت للصعود ليسجل نحو 94.07 دولاراً في 22 يوليو. ثم تحرك خلال أغسطس في نطاقات مرتفعة، قبل أن يدخل سبتمبر في موجة صعود جديدة. في 8 سبتمبر، بلغ برنت نحو 97.92 دولاراً، ثم تجاوز حاجز الـ100 دولار في اليوم التالي، مسجلاً 101.21 دولاراً. ولم يتوقف الصعود عند هذا المستوى؛ ففي 10 سبتمبر، ارتفع برنت بأكثر من 6% ليغلق عند نحو 107.63 دولاراً للبرميل، بينما وصل خام غرب تكساس الوسيط إلى 102.48 دولاراً.
مضيق هرمز.. نقطة الاختبار الأخطر
أصبح مضيق هرمز محور الاهتمام الرئيسي في سوق النفط، نظراً لدوره الحيوي في نقل الخام من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية. ومع اضطراب حركة الملاحة، لم تعد الأسواق تسأل فقط عن كمية النفط التي تنتجها الدول، بل عن قدرة هذه الكميات على الوصول إلى المستهلكين. وهنا تظهر ما يعرف بـ«علاوة المخاطر الجيوسياسية»، وهي الزيادة التي يضيفها المتعاملون إلى سعر النفط تحسباً لاحتمالات نقص الإمدادات. كلما ارتفعت احتمالات تعطيل الملاحة أو تعرض منشآت الطاقة للخطر، ارتفعت هذه العلاوة، مما يفسر القفزات السريعة التي شهدها برنت خلال فترات التصعيد.
أكثر من مجرد سعر للبرميل
تتجاوز تداعيات صعود النفط حاجز الـ100 دولار قطاع الطاقة نفسه، إذ يمكن أن تمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية. ارتفاع أسعار الخام يرفع تكلفة النقل والشحن، ويضغط على تكاليف الإنتاج الصناعي، كما يمكن أن ينعكس على أسعار الغذاء والسلع والخدمات، فضلاً عن تأثيره المباشر في معدلات التضخم. استمرار ارتفاع أسعار الطاقة لفترة طويلة قد يضع البنوك المركزية أمام معادلة أكثر تعقيداً، بين مكافحة التضخم والحفاظ على النشاط الاقتصادي.
ثلاث محطات تلخص قصة النفط
يمكن اختصار المسار السعري للنفط خلال الحرب في ثلاث مراحل رئيسية: المرحلة الأولى، صدمة الحرب، التي دفعت برنت من نحو 71.66 دولاراً إلى قمة بلغت 126.41 دولاراً. المرحلة الثانية، انحسار المخاوف مؤقتاً، وهبوط البرميل إلى نحو 72 دولاراً في يونيو ويوليو. المرحلة الثالثة، عودة التصعيد، التي دفعت برنت مجدداً فوق 100 دولار وصولاً إلى 107.63 دولاراً في 10 سبتمبر. تكشف هذه الأرقام أن سوق النفط أصبح شديد الحساسية لأي تغير في المشهد العسكري أو السياسي، وأن سعر البرميل بات يتحرك أحياناً خلال أيام وفقاً لتطورات لا علاقة لها بتغيرات الإنتاج الفعلية.
ماذا ينتظر السوق؟
المشهد النفطي يظل مفتوحاً على أكثر من سيناريو. أي انفراجة سياسية وعودة مستقرة لحركة الملاحة قد تدفع الأسعار إلى التراجع سريعاً مع انحسار علاوة المخاطر. في المقابل، استمرار التصعيد أو حدوث أضرار جديدة في منشآت الطاقة أو تعطلات واسعة في حركة ناقلات النفط قد يفتح الباب أمام موجة ارتفاع جديدة، خصوصاً إذا تزامنت مع انخفاض المخزونات أو محدودية الطاقة الإنتاجية الاحتياطية.